عبد الكريم الخطيب
505
التفسير القرآنى للقرآن
وفي قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ » وفي استدعاء السمع هنا ، دون حواس الإنسان وملكاته الأخرى - في هذا إشارة إلى أن السمع الذي يحقق إدراكا ، ويعطى فهما ، ثم يعطى لهذا الفهم ، وذلك الإدراك ، ثمرة - هو السمع الذي يخلى له الإنسان حواسه كلها ، ويعطيه وجوده كله ، على ما يكون عليه الإنسان في الليل ، وقد اشتمل عليه ، وأمسك كل حواسه ، فلم يبق الإنسان إلا سمعه المرهف ، الموجه إلى العالم الخارجي ، وما يجئ منه . . . وذلك ما يكون عليه الإنسان ، حين يقع تحت حكم الآية : « وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ » ، فيحتويه الليل ، ويبسط عليه سلطانه . قوله تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . مناسبة هذه الآية للآية التي قبلها ، أنهما جميعا في معرض الدلالة على قدرة اللّه سبحانه ، والكشف عن أنعمه وآلائه . . ثم إن البرق إنما يظهر سلطانه على أتمّه ، حين يلمع بالليل الذي جاء ذكره في الآية السابقة . ورؤية البرق ، إشارة دالة على الرحمة المرسلة من عند اللّه ، على يد هذا السحاب الذي ينطلق البرق من خلاله . . فإذا لمع البرق توقع الناس الغيث ، واختلفت توقعاتهم له بين يأس ورجاء ، وخوف وطمع . . وذلك أن البرق وإن كان رسولا من رسل الغيث ، إلا أنه قد يجيء بالغيث ، وقد لا يجئ . . فهناك برق يسمى برق الخلّب ، وهو الذي يبرق ولا يصحبه مطر . . ومن هنا كان قوله تعالى : « خَوْفاً وَطَمَعاً » - إشارة إلى أن لمعان البرق ، وإن طلع على